منتدى علمي يشمل مواضيع عن علوم الارض و البيئة


    عمر الكرة الأرضية

    شاطر
    avatar
    المهندس الجيولوجي



    عدد المساهمات : 84
    تاريخ التسجيل : 27/05/2010
    العمر : 23

    عمر الكرة الأرضية

    مُساهمة من طرف المهندس الجيولوجي في السبت مارس 23, 2013 4:53 pm

    [size=18]النظائر المشعة حدّدت عمر كرتنا الأرضية

    تجابه لمدة طويلة الفيزيائيون من جهة والجيولوجيون من جهة أخرى حول عمر كرتنا الأرضية . حتى جاء الحل, من أبحاث أحد الفيزيائيين, الذي أكّد العمر الطويل الذي وضعه الجيولوجيون. فكيف تمّ تحديد هذا العمر ؟

    خمسون سنة!
    استغرق اتفاق الفيزيائيين والجيولوجيين على عمر الأرض مدة لا تقل عن نصف قرن, وهو الخلاف العلمي الأطول في التاريخ . ففي خلال الستينيات من القرن التاسع عشر دعم هذان الفريقان فكرتين متعارضتين. لقد حسب الفيزيائيون أنّ عمر الكرة الأرضية المطلق لا يتجاوز 50 مليون سنة بينما قدّر الجيولوجيون أنّ عمرها يتراوح بين 3 و 500 مليون سنة.
    لم يكن لدى الجيولوجيين في القرن التاسع عشر أدلة كثيرة لحساب عمر الكرة الأرضية المطلق ولكنهم نجحوا في إقامة سلّم زمني نسبي شكل(1) استناداً إلى ملاحظة وتحليل الطبقات الجيولوجية المختلفة. فقد اعتمد هذه السلّم على مبدأ التنضيد Principle of Superposition الذي ينص على أنّ كل طبقة هي أحدث من الطبقة المترسبة تحتها وأقدم من الطبقة المترسبة فوقها بشرط أن تبقى الطبقات على وضعيتها الأصلية دون أن تتعرّض إلى حركات لاحقة لترسبها التي قد تقلبها رأساً على عقب. كما اعتمد أيضاً على دراسة المستحاثات الموجودة في الصخور الرسوبية التي استخدمت لمعرفة فيما إذا كانت الصخور في المواقع الجغرافية المختلفة من عمر نسبي واحد . وإضافة إلى ذلك فقد استخدم الجيولوجيون لتحديد العمر النسبي للصخور مبدأ القاطع والمقطوع إذ أنّ القاطع يكون دوماً أحدث من المقطوع ، فإذا قطع صخر الغرانيت طبقة من الحجر الكلسي يكون الغرانيت أحدث من الحجر الكلسي. وهكذا فقد قُسّم الجيولوجيون الزمن النسبي إلى دهور eons وأحقاب eras وأدوار periods وعصور epochs الخ.. .

    شكل1 – يمثل تقسيمات السلم الزمني الجيولوجي إلى دهور وأحقاب وأدوار وعصور. أمّا الأرقام فتمثـّل أعمار التقسيمات بملايين السنين قبل العصر الحالي تم تقديرها فيما بعد استناداً إلى الطرائق الإشعاعية.(عن Press,F. ;Siever,R. (1986) Earth).

    كرتنا الأرضية ليست قديمة إلى هذا الحد!.
    في العام 1859 ، نشر "شارل داروين" بعد أن درس مؤلفات "لييل" مؤلفه الشهير: نشوء الأنواع "Origin of Species". فقد أشار "داروين إلى أهمية نظرية "لييل" الجيولوجية من أجل نظريته عن التطور. فنظرية التطوّر بالانتخاب (بالاصطفاء) الطبيعي التي صاغها كانت تفرض أنّ عمر الأرض لا بد وأن يكون طويلاً جداً حتى يتيح للكائنات الحية وقتاً كافياً لأن تتطوّر بالتنوع والاصطفاء... . لقد حدّد "داروين" عمر الأرض ,على أساس حساب بسيط ارتكز على سرعة عمليات إنحتات الصخور وترسبها من جديد، بنحو 300 مليون سنة. ولكنّ الانتقادات التي أثيرت حول طريقة تقديراته جعلته يغيّر هذا الرقم في طبعة مؤلفه الثانية (التي صدرت بعد شهر واحد من طبعته الأولى) ثم أزال كل تقدير رقمي لعمر الكرة الأرضية في الطبعة الثالثة التي صدرت في عام 1861 والطبعات اللاحقة. ومع ذلك تابع "داروين" مع الجيولوجيون إصراره على أنّ السلّم الزمني الجيولوجي لا بد وأن يكون طويلاً ... طويلاً جداً.
    أمّا عالم الفيزياء والرياضيات "وليم طومسون كلفن" (1824- 1907) المعروف باللورد "كلفن" ، الذي وضع سلّم الحرارة المطلقة، فقد شكّك بصحة نظرية "داروين" في التطوّر كما شكّك بالسلّم الزمني الطويل الذي وضعه "لييل"(250 مليون سنة) لعمر الكرة الأرضية. فقد اعتقد مع علماء عصره من الفيزيائيين أن الأرض كانت في حالة منصهرة ؛ تبرّد سطحها وتصلّب بينما بقيت نواتها حارة . ولتحديد عمر الأرض قدّر المدة الزمنية التي استغرقتها الأرض لتتبرّد من حالتها الابتدائية المنصهرة إلى حالتها الحاضرة وذلك اعتماداً على قوانين الترموديناميك. فإذا كان عمرها عدة مئات من ملايين السنين كما يدعي "داروين" و "لييل" يجب أن تكون الأرض الآن باردة تماماً ! فقد استخدم "كلفن" عام 1862 قوانين انتشار الحرارة التي وضعها في بداية القرن التاسع عشر عالم الرياضيات الفرنسي " جوزيف فورييه" لتقدير عمر الكرة الأرضية وتبيّن له أنّها حديثة العمر وأنّ عمرها لا يزيد عن 100 مليون سنة.
    وهذا ممّا جعل "لييل" أيضاً, بعد اعتراضات "كلفن" على العمر (250 مليون سنة) الذي قدّره في عام 1867 ،أن يحذو حذو "داروين" ويسحب تقديره من طبعات مؤلفه "مبادئ الجيولوجيا Principles of geology " اللاحقة . غير أنّ " توماس هكسلي" ، أشد المدافعين عن "داروين"، شكّك في تقديرات"كلفن" واعتبر أنّ حساباته، على الرغم من دقتها الظاهرية ، ارتكزت على مقدّمات خاطئة.
    استسلم الجيولوجيون الذين كانوا في البداية مندهشين بحسابات كلفن التي اعتمدت على القوانين الرياضياتية المعقّدة والذين كانوا غير ملمين بها. إذ لم يكن بحوزتهم في ذلك الزمن الميقت clock الذي يمكن أن يحدّد لهم سلّماً زمنياً مستمراً مستقلاً عن الظاهرات الجيولوجية نفسها ويجهّزهم بتأريخ مطلق بدءاً من الزمن الحاضر. ولقد كان عليهم أن يعترفوا بأنّ تقديراتهم كانت خاطئة ويقبلوا ,مع "هكسلي" بتقديرات "كلفن" على أساس أنّه من الممكن أن عمليات انحتات الصخور وتطور الكائنات الحية كانت أسرع ممّا كان يُعتقد مثل ما أقترح "داروين" أيضاً في طبعات مؤلفه اللاحقة.



    غموض علمي!
    فخلال نصف قرن من الزمن إذاً ، أحيطت مسألة عمر الكرة الأرضية بغموض علمي . فمن جهة قدّر الجيولوجيون في النهاية عمر الكرة الأرضية بنحو 100 مليون سنة ، ومن جهة أخرى تابع "كلفن"أبحاثه وتوصّل عام 1897 إلى أرقام فاجأ بها العلماء مرة ثانية بإعلانه أن حساباته الجديدة قدّرت عمر الكرة الأرضية بنحو مابين 20 و 40 مليون سنة ..... أي أقل بكثير من تقديره "القليل" 100 مليون سنة الذي قبله الجيولوجيون على مضض.
    وعلى الرغم من الخلاف الواضح بين سلّم الفيزيائيين الزمني وسلّم الجيولوجيين بقيت مشكلة عمر الكرة الأرضية بدون حلّ حتى بداية القرن العشرين. وأخيراً برز الحلّ بصورة غير متوقعة بفضل أبحاث أحد علماء الفيزياء النيوزيلندي "إرنست روزرفورد" (1871- 1937( الذي تخرّج من جامعة كمبريدج في إنكلترة بعد عمله في مختبر كافنديش الذي كان يديره "جوزيف J. طومسون" مكتشف الإلكترون. فقد وجد هذا العالم الخطأ في الحجج التي قدّمها اللورد "كلفن"، وبرهن هكذا على صواب تقدير الجيولوجيين لعمر الكرة الأرضية الطويل.
    كان "روزرفورد" استاذ الفيزياء في جامعة ماك جيل في مونريال منذ العام 1898 وكان مهتماً بدراسة خواص الراديوم الإشعاعية . ففي صيف العام 1903 اكتشف كل من الفيزيائيين الفرنسيين "بيير كوري" و"ألبرت لابورد"، أنّ الراديوم يُنتج الكثير من الحرارة. أمّا "روزرفورد" فكان يتابع، بمساعدة زميل متخصص بالقياسات الحرارية "هاوارد تورنر بارنس"، أبحاثه حيث أكّد ، في خريف 1903، أنّ ما اكتشفه "بيير كوري" كان صحيحاً وأنّ كمية الحرارة التي ينتجها اضمحلال العنصر المشع كانت كبيرة بالنسبة إلى حجمه المتناهي في الصغر. لقد استنتج من ذلك أنّ هذه العناصر المشعّة الموزعة في كامل قشرة الكرة الأرضية لا بد وأنّها كانت وما تزال تُسخّن بالفعل الكرة الأرضية. وهذه ، أي الأرض، لا تتبرّد باستمرار كما كان يعتقد "كلفن" بل أنّها كانت تحافظ على حرارة متوسطة ثابتة خلال ملايين من السنين.

    حرارة داخلية:
    في العام 1904 ، زار "روزرفورد" انكلترة وألقى محاضرة في المعهد الملكي في لندن بوجود اللورد "كلفن"، بيّن خلالها أنّ حسابات هذا الفيزيائي الطاعن في السن, والمعادي لنظرية التطور, كلها كانت خاطئة لأنّه كان يفترض مسبقاً عدم وجود أي مصدر حراري داخل الكرة الأرضية. إذ لم يعلم عن وجود هذا المصدر الحراري على شكل راديوم وعناصر مشعة أخرى، التي تمنع الكرة الأرضية من أن تتبرّد باستمرار مثل ما كانت تتوقعه قوانين الترموديناميك لجسم يفقد حرارته دون أن يكون له أي مصدر حراري داخلي. وهكذا فقد كان للكرة الأرضية حرارة ثابتة تقريباً كما كان يؤكدها الجيولوجيون ولكنهم كانوا يجهلون مع ذلك البرهنة على أنهم كانوا على حق.
    أمّا اللورد "كلفن" فلم يتخلّ عن فكرته ولم يقبل فكرة أنّ الكرة الأرضية قديمة جداً ، لأنّ ذلك سيفتح الأبواب على مصراعيها لنظرية التطوّر التي يرفضها جملة وتفصيلاً . فقد مات في العام 1907معتقداً أنّ الراديوم لا يمكن أن يشكّل في الواقع مصدر حرارة في باطن الكرة الأرضية، ودفنت معه الفكرة التي دافع عنها حول عمر الكرة الأرضية.


    شكل 2- مقطع يمثل طبقات رسوبية حُدّدت أعمارها النسبية استناداً إلى مبدأ التنضيد : الطبقة الأقدم في الأسفل والطبقة الأحدث في الأعلى بالإضافة إلى المستحاثات (السهم على يسار المقطع). تندس بين الطبقات الرسوبية طبقات من الرماد البركاني حُدّدت أعمارها بالطرائق الإشعاعية على التتالي من الأسفل إلى الأعلى بنحو 545 و520 و510 وأخيراً بنحو 495 مليون سنة (الأسهم على يمين المقطع).

    تحديد أعمار الفلزات:
    إذا تمّ التخلّي عن فرضية كرة أرضية بدون مصدر لحرارة داخلية كان لا بدّ من إيجاد طريقة لتحديد عمر الفلزات التي تؤلّف صخور الأرض وهي التي ستوصلنا إلى تحديد عمر مطلق إلى كرتنا الأرضية . فقانون التفكّك (الاضمحلال) الذري الذي وضعه "روزرفورد" مع مساعده "فريدريك سودّي" الكيميائي الحائز على جائزة نوبل، سيزوّد بالواحدة الزمنية المطلوبة.
    وبالفعل فقد بيّن"روزرفورد" في محاضراته حول النشاط الإشعاعي الني كان يلقيها في جامعة "ييل" في عام 1905، أنّ قياس كمية الهليوم في الفلزات المحتوية على اليورانيوم ونسب تشكله الناتجة من اضمحلال (تفكّك) اليورانيوم تسمح بتقدير جيد لعمر هذا الفلز. ففي أواخر العام 1905 أعلمه زميله ومساعده الأمريكي "برترام بوردن بولتوود " (1870- 1927) من جامعة "ييل" انّه استطاع أن يُحدّد ، بفضل طريقته, عمر نحو 26 فلزاً من الفلزات minerals المختلفة ما بين 92 و 570 مليون سنة.
    وفي أواخر تلك السنة اقترح "روزرفورد" طريقة لتحديد عمر الكرة الأرضية من قياسات كمية الهليوم المنحصرة في الفلزات. فالعناصر المشعة الموجودة في صخور الكرة الأرضية تشكّل سلاسل اضمحلال واضحة : وبالفعل كانت سلاسل اضمحلال اليورانيوم- الراديوم واليورانيوم – الأكتينيوم والثوريوم معروفة أو متوقّع وجودها في السنوات المبكرة من القرن العشرين . فتقنية تحديد عمر الصخور المستندة إلى العناصر المشعة نتجت من دراسة العناصر المشعة وسلاسل اضمحلالها . ويعدّ كل من "روزرفورد" والكيميائي "برترام بوردن بولتوود" رائدي هذا العمل. فقد فحص " بولتوود" عينات متعدّدة من فلز المونازيت الذي يحتوي على اليورانيوم والثوريوم . وأصبح حب استطلاعه لدراسة العلاقات بين عناصر المشعة في سلاسل اضمحلالها هاجسه في عام 1904، في الوقت نفسه كان "روزرفورد" يلقي محاضرته حول النشاط الإشعاعي في جامعة ييل.
    فقد اكتشف كل من "سير وليم رامسي " و " سودّي" من جامعة كوليج في لندن كمية الهليوم في الفلز الذي كان ينتجها الراديوم عند اضمحلاله. فإذا كانت هذه الكمية مضبوطة وأن الهليوم لم ينطلق من الفلز وبقي منحصراً فيه منذ لحظة تشكّله ، فإنّ كمية الهليوم تحدّد، على الأرجح، عمر الفلز. فقد حدّد "روزرفورد" عمر صخر الفرغوسونيت fergusonite الذي كان بحوزته بنحو 40 مليون سنة. أمّا "بولتوود" فكان يفكّر من جهة ثانية في التفتيش عن النواتج الانتهائية من سلاسل الاضمحلال. فكمية الناتج الانتهائي يزداد خلال السنين ما دامت العناصر المشعة تضمحل. فلقد كان من المعروف في ذلك الحين أنّ الراديوم كان أحد نواتج سلسلة اليورانيوم ؛ ولكن في عام 1905 بيّن "بولتوود" أنّ الناتج الانتهائي لليورانيوم هو الرصاص.
    نالت طريقة اضمحلال اليورانيوم- إلى- رصاص دعماً إضافياً من "روزرفورد" واقترح تطبيقها في تحديد عمر الصخور القديمة. وفي نهاية عام 1905 حسب "بولتوود"بتطبيق هذه الطريقة أعمار صخور تتراوح بين 92 و570 مليون سنة لعدد كبير من الفلزات المختلفة بلغ نحو 26 فلزاً. وبعد عدة سنوات ، وجد "بولتوود"، الذي تابع أبحاثه في هذا الموضوع صخوراً يعود عمرها إلى أكثر من 1.6 بليون سنة.
    وبدءاً من العام 1910 برز اسم العالم "آرثر هولمز" الذي أقنع في النهاية الجيولوجيين بقبول الطرائق الإشعاعية لتحديد عمر الكرة الأرضية وصخورها من خلال عمله الطويل في الصناعة وجامعتي "درهام" و"إدنبورغ" . فقد درس في العام 1911 عدداً كبيراً من العينات الصخرية وحسب أنّ عمر أقدمها كان 1.6 بليون سنة. وبيّن أنّ عيناته لم تكن تحتوي على رصاص عندما تشكّلت وأنّ كل الرصاص أتى من اضمحلال اليورانيوم وأنّ كل العوامل الخارجية لم تؤد إلى إزالة أو إضافة أي رصاص أو يورانيوم. لقد استمر في متابعة أبحاثه في موضوع تحديد أعمار الصخور وتقنياته حتى عام 1930 معتبراً أنّ طريقة الرصاص أكثر وثوقية من تقنية الهليوم. وفي النهاية نالت طرائق تحديد أعمار الصخور التي ابتكرها "روزرفورد" و "بولتوود" وحسّنها "هولمز" موافقة الجيولوجيين .إنّنا نعلم في الوقت الحاضر بفضل تقنيات تحديد العمر المعقدة أن عمر الكرة الأرضية 4.5 بليون سنة.

    وهكذا برهن الفيزيائيون في آخر الأمر على صواب اعتقاد الجيولوجيين الراسخ بأنّ الأرض قديمة وقديمة جداً وأنّ عمرها طويل وأسهموا في وضع سلّم زمني مطلق حل محل السلّم الزمني النسبي الذي وضعه الجيولوجيون. لقد زودت العناصر المشعة الميقت O’clock الضروري الذي سمح بتحديد عمر مطلق دقيق للكرة الأرضية هذا العمر الذي استحال على الجيولوجيين تحديده في نهاية القرن التاسع عشر.
    [/size]

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 23, 2017 12:40 pm